الجصاص
17
أحكام القرآن
فجاءه رجل فقال : يا رسول الله إن أبا حثمة قد زاد على ! فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إن ابن عمك يزعم أنك قد زدت عليه " فقال : يا رسول الله لقد تركت له قدر عرية أهله وما يطعم المساكين وما يصيب الريح ، فقال : " قد زادك ابن عمك وأنصفك " ، والعرايا هي الصدقة ، فإنما أمر بذلك الثلث صدقة . ويدل عليه حديث جرير بن حازم عن قيس بن مسعود عن مكحول الشامي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " خففوا في الخرص فإن في المال العرية والوصية " فجمع بين العرية والوصية ، فدل على أنه أراد الصدقة . وروى أبو سعيد الخدري عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : " ليس في العرايا صدقة " ، فلم يوجب فيها صدقة لأن العرية نفسها صدقة ، وإنما فائدة الخبر أن ما تصدق به صاحب العشر يحتسب له ولا تجب فيها صدقة ولا يضمنها . ذكر الخلاف في اعتبار ما يجب فيه الحق فقال أبو حنيفة وزفر : " يجب العشر في قليل ما تخرجه الأرض وكثيره إلا ما قدمنا ذكره " . وقال أبو يوسف ومحمد ومالك وابن أبي ليلى والليث والشافعي : " لا يجب حتى يبلغ ما يجب فيه الحق خمسة أوسق " وذلك إذا كان ما يجب فيه الحق مكيلا ، فإن لم يكن مكيلا فإن أبا يوسف اعتبر أن يكون فيه خمسة أوسق من أدنى الأشياء التي تدخل في الوسق مما يجب فيه العشر إلا في العسل ، فإنه روي عنه أنه اعتبر عشرة أرطال ، وروي أنه اعتبر عشر قرب ، وروي أنه اعتبر قيمة خمسة أوسق من أدنى ما يدخل في الوسق . وأما محمد فإنه ينظر إلى أعلى ما يقدر به ذلك الشئ فيعتبر منه أن يبلغ خمسة أمثال ، وذلك نحو الزعفران ، فإن أعلى مقاديره منا فيعتبر بلوغه خمسة أمناء ، لأن ما زاد على المن فإنه يضاعف أو ينسب إليه فيقال منوان وثلاثة ونصف من وربع من ، ويعتبر في القطن خمسة أحمال لأن الحمل أعلى مقاديره وما زاد فتضعيف له ، وفي العسل خمسة أفراق لأن الفرق أعلى ما يقدر به . ويحتج لأبي حنيفة في ذلك بقوله تعالى : ( وآتوا حقه يوم حصاده ) وذلك عائد إلى جميع المذكور ، فهو عموم فيه وإن كان مجملا في المقدار الواجب ، لأن قوله : ( حقه ) مجمل مفتقر إلى البيان ، وقد ورد البيان في مقدار الواجب وهو العشر أو نصف العشر . ويحتج فيه بقوله تعالى : ( أنفقوا من طيبات ما كسبتم ومما أخرجنا لكم من الأرض ) [ البقرة : 267 ] وذلك عام في جميع الخارج ، ويدل عليه قول النبي صلى الله عليه وسلم ، " فيما سقت السماء والعشر " ولم يفصل بين القليل والكثير . ومن جهة النظر اتفاق الجميع على سقوط اعتبار الحول فيه ، فوجب أن يسقط اعتبار المقدار كالركاز والغنائم .